أبي منصور الماتريدي

130

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أما الرأي الثالث : فقد ذكره البغدادي حين قال : سموا بذلك ؛ لأنهم اعتزلوا قول الأمة « 1 » ، فالخوارج كانوا يقولون : إن مرتكب الكبيرة كافر ، والمرجئة يقولون : إنه مؤمن ، والحسن البصري - وهو ممثل علماء التابعين آنذاك - يرى أنه فاسق وفسقه لا ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام « 2 » . والذي نميل إليه ونأخذ به هو الرأي الثالث ؛ « لأن التسمية فيه تكون متعلقة بالجوهر وهو الآراء ، لا بالعرض وهو انتقال واصل ومن معه من حلقة من المسجد إلى حلقة أخرى ؛ إذ إن هذا الانتقال الحسي ليس بالأمر الهام ذي الخطر الذي من شأنه أن تسمى بسببه فرقة هامة كالمعتزلة » « 3 » . ومهما يكن من أمر فقد نشأت المعتزلة على يد واصل بن عطاء وفي ذلك يقول طاش كبرىزاده : « وأول ما ظهر مذهب الاعتزال وشاع إنما ظهر من واصل بن عطاء ، أخذ الاعتزال عن الإمام أبي هاشم عبد الله بن محمد ابن الحنفية الذي قيل : إنه كان أول من أحدث مذهب الاعتزال واخترعه هو وأخوه الإمام الحسن بن محمد ابن الحنفية . . . ولكن ظهر واشتهر الاعتزال من واصل بن عطاء أبي حذيفة المعروف بالغزال » « 4 » . وقدّر لهذه الفرقة أن تملأ العالم وتشغل الناس ، يؤمن بعقائدها الخلفاء وأهل السياسة ، فقد اعتقد آراءهم المأمون وحمل الناس عليها حملا ، وامتحنهم بها امتحانا ، وتبعه المعتصم والواثق ، فلما جاء المتوكل ناهض المعتزلة وأمر الناس بترك النظر والمباحثة والجدال ، وأمر الشيوخ المحدثين بالتحديث وإظهار السنة والجماعة ، بيد أن المتوكل لم يستطع أن يقضي على آراء المعتزلة ولم يتمكن من اقتلاع أفكارهم من المجتمع الإسلامي ، بل ظلت هذه الآراء والأفكار باقية بعده ، وبالرغم من العبث بتراثهم وإتلاف كتبهم ، فإن آراءهم لا تزال باقية حتى اليوم « 5 » . ثانيا : مراكز الاعتزال وفرق المعتزلة : أشرنا فيما سبق إلى نشأة الاعتزال في البصرة على يد واصل بن عطاء ، فعدّت البصرة لذلك المركز الأول للمعتزلة والمدرسة الرائدة لهم .

--> ( 1 ) الفرق بين الفرق ( ص 135 ) . ( 2 ) السابق ص ( 135 ) . ( 3 ) نصيب المعتزلة في تطور علم الكلام ( ص 19 ) . ( 4 ) السابق ( 19 ) . ( 5 ) السابق ( ص 20 ) .